عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )
209
لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام
في أنسه إلى حد من الرضى بربه والأنس بقربه حتى لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به . وكان في قلبي منه شئ حتى بان لي : أن الأمر كذلك . وقالوا : إن حالتي الأنس والهيبة وإن جلتا فإن أهل الحقيقة يعدونهما نقصا لتضمنهما تغير العبد . فإن أهل التمكن سمت أحوالهم عن التغير . لأنهم محو في وجود العين فلا هيبة لهم ولا أنس ، ولا علم لهم ولا حس . والأنس أحد المنازل العشرة التي يشتمل عليها قسم الأصول التي عرفتها والواصل إلى هذا المنزل على وفق الحكمة البالغة التي لا أبلغ ولا أحكم منها . ويتحقق بأنه لا بد من وقوعها كذلك رعاية لتلك الحكمة فلهذا لا يهتم صاحب هذا المنزل لنازلة ولا يغتم لحادثة ، ولا يؤثر فيه سماع ما يكره ، ولا رؤية ما لا يلائم بل يكون دائم الأنس بربه وبكل ما يبدو منه . فهو [ 32 ظ ] يسمع الحكمة البالغة ويراها في كل ما يلائم طبعه فضلا عما يلائمه . فلهذا لا يزال فرحا بساما بشاشا هشاشا مزاحا . كما كان على كرم اللّه وجهه . فإنه لم يلقه أحد في عين تلك النوازل القطيعة والوقائع العظيمة إلّا بشاشا مزاحا حتى عاب عليه من عاب عليه . فقال له : لولا دعابة فيك ، وذلك لكونك على بصيرة ، ومعرفة بكل ما ينزل به مزاح حيث إنه يرى ذلك مما لا مندوحة عنه ، ولهذا لا يؤثر شئ من ذلك فيه بخلاف من لم يكن متحققا بما حتم وقدّر فهو يجزع عند وقوع ما قضى من الأمور التي لا محيص عما أراده اللّه منها .
--> - وفاته في شهر شعبان سنة 253 ه ، وقيل سنة 251 ه ، وقيل سنة 257 ه ، ارجع إلى : حلية الأولياء لأبى نعيم الأصفهاني 10 / 116 ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 6 / 187 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 12 / 185 ، شذرات الذهب : لابن العماد الحنبلي : 2 / 127 .